مجد الدين ابن الأثير

423

المختار من مناقب الأخيار

أعرج مسقام ، فقال لي : يا أبا عامر ، غسل من ران « 1 » الذّنوب قلبك ، فلم يزل قلبي إليك توّاقا ، وإلى سماع الموعظة منك مشتاقا ، وبي جرح نغل « 2 » قد أعيا الواعظين دواؤه ، وأعجز المتطبّبين شفاؤه . وقد بلغني نفع مراهمك للجراح والألم . فلا تأل - رحمك اللّه - في إيقاع التّرياق وإن كان مرّ المذاق ، فإنّني ممّن يصبر على مرّ الدّواء رجاء الشّفاء . قال أبو عامر : فنظرت إلى منظر بهرني ، وسمعت كلاما قطعني ، فأفكرت طويلا ثم تأتّى من كلامي ما تأتّى ، وسهل من صعوبته ما منه رقّ لي . فقلت : يا شيخ ، ارم ببصر قلبك « 3 » في ملكوت السّماء ، وأجل سمع معرفتك في سكان الأرجاء ، فتنقل بحقيقة إيمانك إلى جنّة المأوى ، فترى ما أعدّ اللّه فيها للأولياء ، ثم تشرف على نار تلظّى « 4 » ، فترى ما أعدّ اللّه فيها للأشقياء . فشتّان ما بين الدّارين ، أليس الفريقان في الموت سواء ؟ قال أبو عامر : فأنّ أنّة ، وصاح صيحة ، وزفر والتوى ، وقال : يا أبا عامر ، وقع واللّه دواؤك على دائي ، وأرجو أن يكون عندك شفائي ، زدني رحمك اللّه . فقلت له : يا شيخ ، اللّه عالم بسريرتك ، مطّلع على حقيقتك ، شاهد لك في خلواتك ، بعينه كنت عند استتارك من خلقه ومبارزته . قال : فصاح صيحة كصيحته الأولى ، ثم قال : من لفقري ؟ من لفاقتي ؟ من لذنبي ؟ من لخطيئتي ؟ أنت مولاي « 5 » وإليك منقلبي . ثم خرّ ميتا رحمه اللّه . قال أبو عامر الواعظ : فأسقط في يدي ، وقلت : ما ذا جنيت على نفسي ؟ إذ خرجت إليّ جارية عليها مدرعة من صوف ، وخمار من صوف ،

--> ( 1 ) الران : الطبع والدنس والتغطية . معجم متن اللغة ( رين ) . ( 2 ) جرح نغل : جرح فسد . ( 3 ) في ( أ ) : « ببصرك قلبك » . ( 4 ) في ( أ ) : « نار لظى » . ( 5 ) في ( ب ) : « أنت يا مولاي » ، وفي صفة الصفوة 2 / 195 : « أنت لي يا مولاي » .